
جبران خليل جبران… عذرا يزعجونك
✍️ حسن أحمد خليل
عذرا يا جبران. هناك كلمات يتداولها اللبنانيون نقلا عنك، كتبتها منذ مئة سنة.
طبعا يتداولونها إعجابا…
ألم يقرأ أنفسهم ايضا إعجابا ما كتبت”ويل لأمة” من قبل..؟
ألم ياكلوا كل السنوات الماضية مما لم يزرعوا، ولبسوا مما لم ينسجوا، وشربوا مما لم يعصروا؟
لم يعتبروا فلاسفتهم مشعوذين فقط. بل قتلوهم، وقتلوا مئات الالاف من ابناء جلدهم “حبا بلبنان”..
ألست من قلت عنهم ينقلبون على حاكم ليناصروا حاكم اخر؟
هنيئا لك يا جبران. لم تعش لتشهد كيف يتدخل في بلادك وأهلك الذين وعظتهم، من كل جنسيات العالمين العربي والدولي.
لم تشهد يا جبران كيف لا يصل رئيس جمهورية ولا حكومة ولا تحصل انتخابات، الا برأي، ثم بموافقة ما لا يقل عن اثنتا عشر دولة شرقا وغربا. مؤخرا لا يتعين وزراء قبل أن تدرس سيرهم الذاتية أجهزة مخابرات عدة دول.
ماذا اقول لك يا جبران. بات هناك من يقرر لنا كم ساعة كهرباء نحصل، وكيف إنتاجها، أو وصولها. وكم مليون دولار مسموح ان تصل إلينا بالقطارة حتى من اموالنا، بعد أن نهبوها.
يزعجونك يا جبران في لحدك، معجبين بكلماتك، ثم يعملون عكس ما كتبت تماما، كما فعلوا منذ قرفك وهجرتك.
تناسوا انهم “شعوذوك” انت ايضا، وقالوا انك معتوه مجنون، ثم اعترفوا بك ، ومجدوك فقط عندما أكرمك الغرب.
ألم تقل لهم “ويل لأمة مقسمة إلى اجزاء، يحسب كل جزء فيها نفسه أمة”، ومعجبون بها.
لو تشهد يا جبران كيف ان كل ميليشيا امة، وليس كل حزب فقط. لتشهد كيف كل زعيم إله. كيف كل” كلب مير مير” ..
لتشهد كيف اهلك سرقوا، وبلادك نهبت ومصارفها افلست. لكنهم بالرغم من ذلك، ما زالوا منقسمين في أديان ومذاهب ومناطق وقبائل متوحشة مستعدين في أية لحظة لياكلوا لحم بعضهم مجددا. حتى بعض المهاجرين ببدلات وربطات عنق كذلك.
يا جبران بعد كل المآسي والاسى سنة بعد سنة، وحقبة بعد حقبة، هناك من لديه انفصام شخصية، يوزع كلماتك، ثم يدعو إلى التقسيم والفيدرالية. ممنوع إلا أن ننتمي “لحظيرة”. وممنوع إلا أن نتعصب.
لماذا ؟ لأننا يا جبران شعب بالرغم من كل إنجازاته، عنصري من حيث ندري او لا ندري. وشعب فردي واناني وطبقي وفوقي ومغرور وقاتل ومقتول.
يا جبران نحن كما وصفت نمشي في جنازة من يرحل، ونصفق لمن يأتي. هكذا فعلنا مع العثماني والانكليزي والفرنسي والمصري والأمريكي والفلسطيني والسوري والسعودي والايراني والجميلي والشمعوني والكتلوي والدستوري والحريري والجنبلاطي والبري والجعجعي والعوني…
كلهم آلهة لدى البعض، وشياطين لدى بعض اخر. يموتون من أجلهم، ويحيكون ما يلبسون، ثم يموتون من أجلهم مجددا، ويصبحون رقم على جثمان، بينما يبقى الزعماء مخلدون…
دولة؟ اية دولة يا جبران؟
لقد وصفهم الامام الذي أعجبك، وتأثرت به في كتاباتك. لقد ملاوا قلبه قيحا،وصدره غيظا. ليته لم يعرفهم معرفة اجلبت ندما، واعقبت سدما.
لا تنبهر يا جبران باعجابهم المتجدد بك. هؤلاء المعجبين بك، هم أيضا معجبين بالمحتل والزعيم وأجهزة المخابرات. هم كل ما وصفت، وتحذر منه.
هنيئا لك وللفلاسفة امثالك. انتم الاحياء، بالرغم من قهركم.
ونحن البؤساء الاحياء الأموات، الذين نشهد كل يوم البؤس والجهل والطغيان والظلم..
لا تصدق يا جبران المعجبين بك. اسألهم بالروحانيات: لماذا بلادهم مدمرة ومجتمعاتهم ممزقة، ان كانوا صادقين…

