
Hassan Khalil
14 مايو 2019 ·
نعرفهم… ويعرفوننا. نجح الاستفتاء… ولكن؟
بقلم حسن خليل
نعرفكم لاننا سمعنا عنكم من آبائنا، ثم عاصرناكم ووكبناكم، ونشهد أنكم أقوياء مخضرمين، وما انتم إلا استمرار لنظام المحاصصة القائم منذ ولادة هذا الكيان شبه الوطن، والذي فيه شبه دولة تحولت بسبب نهجكم الى دولة فاشلة.
قمنا باستفتاء لأول مرة في تاريخ لبنان للوصول إلى اللبنانيين عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي بعد أن حاصرتنا وسائل الإعلام التي أصبحت بأغلبها، ونتيجة الأزمة الاقتصادية، مضطرة للتحالف معكم بامتياز، ولو كانت الافتتاحيات الاخبارية تشعرنا يوميا أن تشي غيفارا عاد الى لحياة.
لقد وصلنا إلى ٣٤٧٣٢٩٧ مشاركة على الفيس بوك والى ه١٣٧٠٩٠١ مشاهدة للهاشتاغ والى ٤٧٠٠٤٢٦ مشاهدة ومشاركة على تويتر وأهمها ١٠١٥٥٥ صوت على الاستفتاء انه هناك حل ونص، ويجب استعادة الدولة من نظام المحاصصة.
مع كل هذا الإنجاز، لم تجد وسائل الإعلام انه بالاهمية أن تغطيه، بينما تغطي مباشرة خبرا من الأخبار ” الروتينية” يوميا. لم تعير اي اهتمام لهذا الاجماع من اللبنانيين، مقيمين ومغتربين والذين عبروا عن رفضهم للواقع الذي وصلت إليه الدولة.
دحض هذا الاستفتاء الانطباع السائد أن الشعب اللبناني لن توقظه قنبلة نووية كما وصفه احدهم.
طبعا يبق التحدي الاكبر الذي يوجهه لنا :
خير ان شاء الله جمعتم كل هذه الأصوات،
ماذا بعد؟ ماهي الآلية للتنفيذ والترجمة؟ من سيلبي الدعوة؟ وماهي الخطوات بالمستقبل؟ والكل اجمع على مقولة الله يعطيكم العافية، ولكن عند الاستحقاق تصم آذانهم ويغيب حضورهم.
وافتراضا تجاوب الآلاف معكم، بماذا وكيف تستطيعون التأثير للتغيير في سلوك الفريق الحاكم؟
كلها اسئلة مشروعة واقعية منطقية ومحقة وخاصة انها توصف المشهد بدقة والحالة السوسيولوجية والنفسية التي نجحت هذه الطبقة الحاكمة بفرضها على كافة شرائح وأطياف الشعب اللبناني،
الذي استقال جزء منه فكريا، وتلبس الجزء الآخر عقدة الخوف والقمع والصمت. وهناك فئة ليست بقليلة مرتبطة حياتها اليومية بالزعامات التي تسيطر على مفاصل الدولة.
بالمقابل، هذه الزعامات الكارتيل، كما يصفها أحدهم، يعتمدون مبدأ انه طالما هم ممسكون بكل مفاصل القوة بالدولة، فلتفعل المعارضة وليقل المعترضون ما يشاؤون، ونحن نفعل بالتكافل والتضامن ما نشاء.
اما من يتجرأ ويرفع نبرة صوته بوجههم ويصعد من معارضته، فيبتزونه في مصالحه واملاكه، ومن لا يستطيعون عليه بذلك، يتم قمعه بوسائل ظاهرها قانوني، ومن خلال القوى الأمنية التي تاتمر بامرهم، ومن لا تنفع معه الأساليب الردعية، لديهم شوارعهم وأتباعهم الذين سيتطوعون للذود عنهم تحت ذريعة الدفاع عن “كرامة الطائفة” ، أو للتصدي لمن يتعرض “للذات الزعاماتية” ، والتي بنظر البعض تاتي بالتساوي مع الذات الإلهية.
عودة إلى الاستفتاء.
ملايين من الشعب اللبناني تفاعلوا إيجابيا مع الطرح الذي على أساسه قام الاستفتاء، وكانت المطالب المحصورة بالوثيقة ترتكز الحد الأدنى المطلوب لمنع انهيار الدولة المالي، والمتمثل بوقف نزيف الخزينة وتحصين الليرة اللبنانية، ( وقف طبعها بدون ضوابط) مع وقف سياسة الفوائد المرتفعة عن طريق ربط أسعار الفوائد على الليرة بأسعار الفوائد على العملة المرتبطة بها، اي الدولار، currency boord, ووقف سوء أمانة الودائع المصرفية لتمويل الهدر والفساد، وفصل أموال صناديق التقاعد والضمان عن مالية الدولة، وإقرار قانون ضريبي عادل يساهم بإعادة توزيع الثروة.
ثم تضمنت الوثيقة المطالبة بتعيين فريق تقني مستقل عن السياسيين، مهمته أن يراقب وينفذ تلزيم عقود النفط والغاز،
كما تعيين فريق مصرفي مستقل، لإدارة صندوق الإيرادات المتوقعة من هذا القطاع اذا ما تحقق.
لحظت الوثيقة أن لا إصلاح مالي ولا نقدي، ولا تحفيز أو تنشيط اقتصادي بدون تغيير للواقع السياسي الحالي، الذي في نصه الدستوري والقانوني سليم. لكن واقعه يعاني من المصادرة بسبب مجموعة اغتصبته، وسيطرت على مفاصل سلطات الدولة والوزارات والتمثيل النيابي من اجل منع أي تشريع لا يضمن إعادة إنتاج انفسهم، ايضا وضعت يدها على البلديات والنقابات ومجالس إنماء واعمار وجنوب ومهجرين وتنفيذ المشاريع ومؤسسات الريجي والضمان ومصالح المياه والكهرباء والسوق الحرة وإدارات انترا والطيران والمطار والمرفا واجيرو وسوليدير.
والأخطر أنها شاركت بالاغراء أو بالاكراه، شرائح القطاع الخاص حتى أصبح من شبه المستحيل على اي فريق معارض التأثير في مسار الامور، ومن يتصدى لفساد الدولة يحاصروه في المصالح.
يتحدثون عن تشجيع الاستثمار، ثم يديرون البلاد بأسلوب يجعل من المستحيل على رجل أعمال لبناني أو اجنبي قادر أن يقوم باي استثمار إلا بمشاركة أحد أفراد الفريق الحاكم الذي وزع مناطق النفوذ بينه بالتراضي: هذا لبيروت وذاك لطرابلس، وهذا لكسروان وذاك للجبل، هذا الجنوب وذاك للبقاع، وهكذا دواليك.
ولولا هذه المشاركة بين النفوذ والمال، لما شاهدنا كارثة نهر الليطاني، أو التشويه لجبال لبنان بالكسارات والمقالع من شماله الى جنوبه، لانه لا يعقل أن يتجرأ رجل اعمال على ارتكاب هكذا جرائم لو لم يكن هناك من يغطيه ويحميه، كما لن يتجرأ رئيس بلدية أو مختار على سرقة أملاك مشاع البلدة ما لم يكن واجهة لمن هو أكبر منه.
لذلك طرحت وثيقة الاستفتاء مطالب الاصلاح السياسي كمبدأ لكل إصلاح اخر، منها المالي والنقدي وأهمها إقرار قانون رفع الحصانة والسرية المصرفية على كل من يعمل بالشأن العام، بالإضافة إقرار قانون انتخاب يعكس التمثيل الصحيح خارج القيد الطائفي وفصل النيابة عن الوزارة، لإنتاج موالاة ومعارضة في الحكم. وأبرز المطالب لبناء الدولة إقرار قانون يرفع يد السياسيين عن التدخل في التعيينات خاصة القضاء والامن والأجهزة الرقابية.
بالختام لا بد من كلمة للمجتمع والحراك المدني.
لقد حكمت النرجسية والأنانية والمصلحة الشخصية والنميمة بعض التحركات، بالإضافة إلى التشكيك بين هذا وذاك ووضع العصي لهذا الحراك أو ذاك، ولكن الأخطر هو غياب الرؤية التطبيقية لأي حراك ممكن فلا تم التوافق على مركزية مطالب يتوافق عليها الجميع ووضع الخلافات المطلبية جانبا، ولا بروز قيادات بعيدة عن المصلحة الفردية لتحقيق انجازها، للاسف.
مع ان المطلوب هو أخذ العبرة من السلطة المتكاتفة المتضامنة مع بعضها البعض بالرغم من كل خلافاتهم، والموضوع واضح.
لذلك نهدي نتائج الاستفتاء الى كل من ايد وناصر وروج وشارك وتفاعل، والى فئات وهيئات وحركات المجتمع المدني، علهم يستفيدوا من التجربة، ويضعوا خلافاتهم جانبا ليتفقوا على قيادة موثوقة تقودهم نحو اهداف متوافق عليها وواقعية. كما نرجو لكل من ايد ولكن تقاعس ان يستفيق من قلة همته ويشارك في جهد مستقبلي.
هذا الاستفتاء ساهم بإنشاء رأي عام ضاغط وسيستمر لرفع حالة الوعي. وسنقول دائما لكل متعصب لطائفته، أن التواصل مع الله يكون عبر طريق سريع ومباشر بسرعة الضوء ولا يحتاج الى وسيط، ونقول لكل مواطن حر روحك ودمك وأرواح عائلتك اغلى بكثير من روح ودم اي شخص دفعك لتفتديه،
حمايتك هي الدولة، وليس لك إلا الدولة، احمها تحميك، اعطها تعطيك، وكن ابنا بارا بها معتبرا انها امك وابوك.
الله يحمي لبنان. حسن خليل
