
ايها الرب.. اين انت؟ نحن بحاجة لمن ينقذنا وينقذ الانسانية..
كيف لا ترى وقلت لنا انك مصدر النور؟
نحن بتنا لا نرى الا النار.. والتفحم والعار..
قيل لنا انك الحب والمحبة والخير…
نعيش في وسط من الشر.. وفي بحر من الكراهية..
قلت لنا انك خالق كل شيء، وان الانسان خليفتك على الارض، وطلبت منه في كل الاديان ان لا يشرك بك..
واذ هناك الهة على الارض تسيطر على البشر، تطلب ايضا بالقوة الاعتراف بها.. وكما انت، يتوعدون بالويل والثبور اذا كفرنا بها.
لم يعد همنا اين انت. همنا ماذا انت بفاعل؟
قال لي والدي وجدي انهما سمعا من اجدادهم انك تمهل ولا تهمل. وانا قلت ذلك بدون قناعة لأولادي.
البارحة سألني إبني متى تنفذ وعيدك كونك لا تهمل..
اعذرني ايها الرب.. انا بحاجة للمساعدة لان قلبي وعقلي يتصارعان..
عقلي استنتج ان هذا الكوكب الرائع الغامض في الكون اللامتناهي مشروع فاشل.. وقلبي يقول لي اصبر..
عقلي يجنح ان يصدق من قالوا ان الجنة والنار هما على الارض وليسا بعد البرزخ..
ويسال ان كنت انت بذاتك الالهية تعيش بيننا، ولست في المجال اللاورائي..
بت بعد هذا العمر اتذكر ما قاله احد علماء الفلك كارل سيغان، ان من خلقنا على هذا الكوكب الجميل الملعون تركنا الى حالنا. نقضي فيه بضعة سنين، لا تساوي جزء من ثانية في التوقيت الكوني، وبعدها نصبح نسيا منسيا..
بت اخاف من نفسي.. ومن عقلي اللعين.. لا يرحمني، كما لا يرحموني القتلة والجهلة..
تحولت من الشك الى حالة الاقتناع ان مفاهيم الخير والشر، والرذيلة والفضيلة، والثواب والعقاب، ما هي الا مفاهيم غريزية عند الحيوان، وانسانية تراكمية تطورية مع المكان والزمان عند جنس البشر، كي يستطيع إدارة الحياة اليومية الغامضة، كغموض الثقب الاسود الكوني..
الحيوان الغريزي يحب ويقتل لياكل حتى يشبع..
الانسان البشري يقتل بدون جوع ولا يشبع..
سمعت عن مجازر على مر التاريخ..
وعن الفراعنة وعن الروم والفرس والبربر والتتر والمغول والمماليك.. والفايكنغ القدم والحاليين..
وحملات الغزو والقتل والسبي والصلب في الفتوحات الاسلامية والحملات الصليبية .. وحتى البوذية المسالمة.. وقتل الاطفال..
وعن نيرون روما.. وعن الامبراطوريات كلها من رومان ويونان وفرس.. وعن اقتلاع العبيد والهنود الحمر والابورجين ..
وقرأت عن تاريخ مليء بالقتل.. وعن حضارات من السومرية وما بين النهرين والهندية والمصرية.. الى الحضارة الوحشية اليوم..
كلها ظلم وظلام وقتل ودماء ومجازر، واقتلاع ناس من اراضيهم ونهب ثرواتهم..
ويقولون لي انك تمهل.. وان العقاب لا بد آت..
وكل ما يحصل حكمة آلهية سرها عندك فقط..
لم يكن قراري ولادتي.. ولا رحيلي..
ولا حتى اسمي وهويتي.. قلت لي في كتبك انه قرارك انت وقدري انا. قدري ان تخلقني في هذا الهلال الخصيب اللعين، حيث ارسلت كل انبياءك.. وما زال هذا الهلال اللغز الارضي البشري..
عقلي يسال ما دمت القادر على كل شيء، لماذا خلقت الشر مع الخير، وتمرد الشيطان عليك برضاك؟
لماذا لم تكتف بخلق الخير فقط، وان يكون كل خلقك اخيار؟ ما ذنب البشر، وهم كالحشرات عجزة مساكين، ان تبتليهم وتختبرهم منذ ولادتهم بتفس المعايير، بينما هم ليسوا سواسية في العقول والادراك؟
وقلبي يقول لي اخرس ايها الزنديق..
.ايها الرب، على هذا الكوكب الجميل المخيف، وبانتظار يوم عدالتك التي لا تهمل، انشأ الانسان
مؤسسات ليدير الحياة ضمن حد أدنى من نظام وقوانين، ووضع معايير للعدالة وللحرية والكرامة الانسانية..
ها هي اليوم تتساقط الدول والكيانات كورق شجر الخريف..
اليوم سقطت جميع المعايير والقيم..
وظهروا كل آلهة الظلم والظلام في زوايا الارض..
سقطت حرية الرأي والتعبير..
وسقطت الكرامة الانسانية..
وسقطت الامم المتحدة والمؤسسات الدولية..
ظهرت الإلهة.. وانت ما زلت “تمهل ولا تهمل” ..
الى اين المفر؟ وكيف يعيش الانسان بدون ذرة من امل..
كان الامل ثواب الصبر.. نفذ الصبر..
كان الامل انه لا بد للرب بعد كل العصور والازمنة ان ينتقم من الطغاة.. فطغوا واستبدوا.. وما زال الابرياء ينتظرون العدالة الالهية..
وكأن الزمان عدو لنا..
لماذا ينعم الظالمون، بالرغم من توعدك لهم بعذاب اليم. ولماذا يعانون اهل الخير مع وعدك لهم بجنات النعيم..
عذرا ايها الرب..
هل فعلا نحن مخلوقات مميزة ذو عقول، لم ولن نعرف لماذا نحن على هذا الكوكب الغامض.. متروكون لوحدنا..
ايها الرب.. ساعدني..
وايها البشر.. لا بديل لنا الا ان نقدّر هذا الكوكب والخلق.. و ان نحب باقصى ما نستطيع.. ونحافظ عليه..
نحب بين اهلنا وأصدقائنا وكل اهل الارض.. كي نعوض ولو بقدر ما عن الخوف من الوحدة الابدية ..
ايها الرب.. سامحني على كلامي ونور طريقي كي اتغلب على عقلي مصدر الشر..
اين انت ايها الرب؟
٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
حسن أحمد خليل
